إصلاح التعليم في المملكة كالسلحفاة: أحيانًا التحرك ببطء هو الخيار الأسرع

  • Emkan Education
  • Tue,Aug 29, 2017
  • 0

ريد أن نقفز قفزة الضفدع

جملة اسمعها في عملي يوميا. و من خلال تجربتي، أرى أنها غير واقعية بالنسبة لقطاع التعليم بتكويناته الحالية. قد يكون توجه قفزة الضفدع مناسبا لقطاعات معينة مثل قطاعات التقنية والاتصالات، لكنها برأي استراتيجية غير مناسبة لقطاعات التنمية البشرية التي تحتاج إلى سياسات مستدامة على المدى الطويل لتحقيق الأثر الفعلي. ولا  أريد أن أكون ممن يقول ” ما ينفع” دون أن يقترح حل أو تصور آخر. ولذا عملت على بلورة تصور مختلف لتطوير التعليم في المملكة وهو أن نمشي مشي السلحفاة

Slow and Steady Wins the Race

لا أظن أنها نظرية أعجبت اشخاص كثيرين لكنني أود تدوينها هنا… واترك الرأي للقارئ لأنها استراتيجيتين مختلفة تماما

فالسلحفاة ليست ضفدع

********************************

بالنسبة للمراقبين من الخارج، قد تبدو المملكة على أنها دولة قاومت التغيير لفترة طويلة. فكثيرا من القضايا والملفات العالمية مازالت هي ذاتها محط النقاش العالمي. وكوني الان في مدينة نيو يورك بقرب مقر الأمم المتحدة وحديثي  مع بعض منسوبيها فعلا الملفات لم تتجدد.  ومع ذلك، فإن الغريب لو قام بزيارة واحدة اليوم للمملكة سيشهد وتيرة التغيير والتنمية في العديد من جوانب المجتمع والحكومة والبنية التحتية والمشاريع الخاصة.

و كون التعليم قضيتي، فأنا ابدأ بسرد قصة النجاح للغريب الاجنبي، ثم أعود إلى بيتي لأكتب وجهة نظري التي أشعر أنها تحاكي الحقيقة. والقصة كالتالي:

شهد التعليم أولوية في تاريخ المملكة بشكل عام وقد حقق نجاحات كبيرة من خلال التوسع الكمي وتوفير التعليم للجميع بالإضافة إلى العديد من الأهداف الهامة التي لا تزال الدول الأخرى تطمح إلى تحقيقها. على سبيل المثال لا الحصر؛ توفير التعليم المجاني للجميع، وتحقيق الالتحاق شبه الشامل بالمدارس الابتدائية – هذه عادة معلومة مفاجئة بالنسبة للأجانب- مما يحقق العدالة في الحصول على الخدمات التعليمية لكل من الذكور والإناث. وعلى الرغم من هذه الإنجازات، لم يكن للتعليم الأثر الأكبر في التنمية الاقتصادية المستدامة فالتقدم في جودة التعليم لم يتناسب طرديا مع التوسع الكمي الكبير. وتصنف المملكة باستمرار في قوائم المقارنة الدولية في قاع القائمة مع انخفاض ملحوظ في النتائج من 2011 إلى 2015 وفقا لبيانات تيمس. وبينما  يسيطر الرجل على المناصب القيادية في الدولة – مع وجود تغير جيد-  إلا أن السعودية لديها أكبر فجوة بين الجنسين في التعليم على الصعيد العالمي، مع ضعف أداء الأولاد مقارنة بالفتيات في جميع مستويات التعليم. لذلك، في حين أن العدالة قد تحققت في توفير التعليم للجنسين إلا أننا مازلنا بعيدين عن الإنصاف في جودة التعليم المقدم.

يعني في التعليم الأولاد مظلومين أكثر من البنات.  

وفي العمل والقيادة البنات مظلومين أكثر من الأولاد  

و في الحقيقة واقع التغيير من حيث الجودة لم يتغير في 10 سنوات الماضية. إلا من خلال مبادرة واحدة كانت هي لها الأثر الأكبر في راي؛ وهي مشروع الملك عبد الله للابتعاث الخارجي. نستطيع أن نقول أنها فعليا السياسة الوحيدة التي أحدثت تغييرا ملموسا في قطاع التعليم في العقد الماضي. و من الصعب علينا قياس اثر سياسات التعليم أو تطويره فعليا لبعض الأسباب التالية:

المكاسب السريعة وتغيير الاستراتيجيات: غالبا ما يستخدم القياس على تأرجح البندول لوصف التغيرات في اتجاه السياسة في التعليم على مدى عقود. وفي النظم الأقل نضجا، غالبا ما تؤدي التغييرات في الإدارة أو الأحزاب السياسية إلى تغيير في استراتيجية التعليم. فالدورة السياسية أقصر من الوقت اللازم للتدخلات التربوية الفعالة، و هذا التأرجح يؤثر تأثيرا سلبيا على إصلاح التعليم.

المبادرات القصيرة الأجل التي تسعى إلى تحقيق مكاسب سريعة هي من خصائص العمل في قطاع التعليم اليوم. بينما المطلوب هو الالتزام  بوضع السياسات وتنفيذها على المدى الطويل من قبل قادة التعليم. الشعور العام هو أننا نريد أن نقفز هذا غالبا ما يلقي بظلاله على الحاجة إلى التنمية المستدامة.

وهناك أمثلة دولية كثيرة على إصلاحات هامة في مجال التعليم تم تعزيزها و قياسها من خلال الدعم  الطويل الأجل. في النظم التعليمية الفدرالية في الولايات المتحدة مثلا، لم يكن لدى برنامج الإصلاح

NCLB

                                    No Child Left Behind

دعما واسع النطاق من الحزبين. وعلى الرغم من أنه ليس من دون انتقادات، فهو بالتأكيد مثال قوي على استمرارية برنامج تعليمي إصلاحي بأهداف طويلة الأجل لاكثر من ثلاث رؤساء.

فنلندا، التي تعتبر منذ فترة طويلة من نظم التعليم الرائدة، نفذت “إصلاح بطيء وثابت لتحقيق نتائج عالية باستمرار”. وأدى الالتزام الثابت بالتقدم المطرد على مدى أربعة عقود إلى تحقيق مكاسب. فان نجاحها الحالي يرجع الى هذا التقدم المطرد وليس نتيجة الابتكارات التي يطلقها زعيم او حزب سياسى معين

وفي أستراليا، حيث تتأثر نظم التعليم بالعلاقات والقيادة الفيدرالية والقطاعية ، كان الاتفاق والالتزام بين الحزبين حجر الزاوية في إصلاح التعليم على مدى السنوات العشر الماضية. فوائد هذه الرؤية المشتركة طويلة الأجل واضحة في المناهج الوطنية، والبرامج الأولية لتعليم المعلمين، والمعايير المهنية للمعلمين وقادة المدارس، ورخص المعلمين، وإدارة الأداء.

وهناك الكثير الذي يمكن أن يستفيد منه قادة التعليم في المملكة من هذه الأمثلة عند رسم مسار طويل الأجل إلى الأمام. ولن تتحقق التحسينات في الجودة في التعليم من خلال إصلاحات سريعة أو تغييرات مستمرة في الاتجاه الاستراتيجي. فتحسين الجودة يتطلب .الوقت.

الإدارة البيروقراطية: في بلد سريع التغير والتوسع، ظلت إدارة التعليم مركزية بيروقراطية. وقد أدى اتباع نهج من أعلى إلى أسفل في التعليم الذي أعاقته العمليات البيروقراطية الى ضعف القدرات على المستوى المحلي. وهناك نقص واضح في الثقة بين الجهات الفاعلة داخل النظام التعليمي .

غياب المساءلة والشفافية: تاريخيا لم يكن هناك تقييم يذكر لأداء النظام التعليمي. وتمول الإصلاحات والمبادرات دون الحاجة إلى إثبات “الأثر”. ومن المؤكد أن ثقافة الافتقار إلى المساءلة دون جمع البيانات وإعداد التقارير بدقة، ساهمت في انخفاض نوعية التعليم. إن عدم تقييم التأثير ليس فريدا من نوعه بالنسبة لنظام التعليم في المملكة . ويبرز تقرير

OECD

لعام 2015 أن واحدا فقط من كل عشرة إصلاحات في مجال التعليم يتم تقييمها لتأثيرها على نتائج الطلاب.

وقد حددت رؤية  2030 وبرنامج التحول الوطني لعام 2020 مجموعة من التدابير لتحسين المساءلة في القطاع العام. وهذه خطوة هامة لقياس اثر سياسات التعليم و برامج الاصلاح. ومن المتوقع أن يصبح جمع البيانات، واتخاذ القرارات المستندة إلى الأدلة كما هي في العديد من نظم التعليم عالية الأداء جزء من المنظومة.

السلحفاة: التنمية المستدامة لقطاع التعليم في المملكة العربية السعودية

الوقت مناسب. وتتمتع الرؤية 2030 بقيادة قوية ودعم مشترك بين الوزارات وأهداف بعيدة النظر وتتطلب المساءلة عن النتائج. ويتمثل التحدي الآن في أن يقوم قادة التعليم السعوديين بتطوير هذه الرؤية من خلال تحسينات نوعية مستدامة. في الواقع، تحتاج المملكة إلى التفكير أكثر مثل السلحفاة عوضا عن الضفدع من خلال الالتزام بالتقدم التدريجي واستراتيجية طويلة الأجل.

ظهر السلحفاة- الأساسات القوية مطلوبة: نظام الشفاف خاضع للمساءلة، وبناء القدرات المحلية وتحسين جودة المعلم والمدرسة أساس. والبطء والثبات هو أمر حتمي. تحسين الجودة يتطلب استثمار ووقت كبير. الالتزام بسياسات ومبادرات متسقة وبعيدة المدى من خلال جمع البيانات وتقييم الأثر واتخاذ قرارات مستنيرة ومبنية على الأدلة. لأيس لدينا أساسات قوية لبناء منظومة تعليمية قوية وهنا  سأضع الأولوية

أولا ظهر السلحفاة

مشي السلحفاة- المشي ببطء وثبات و تقدم: من خلال استراتيجية موحدة طويلة الأمد لا تتغير بتغير الوزير أو القيادات. و قياس الأثر بشكل دوري بحيث نحدث تقدم ثابت و ملموس سنويا. والعمل  على قضايا استراتيجية لها تأثير على جودة التعليم مثل كليات إعداد المعلمين مثلا.

جري السلحفاة- الجري في حالة الخطر: السلحفاة تجري فقط إذا هددت بالخطر. وهنا نستطيع تحديد المجالات المحتملة التي سيستفيد منها النظام من تطوير المسار السريع. وفي حالة التعليم السعودي نرى أماكن الخطر في التسيب و الغياب، التحصيل الأكاديمي، قضايا المعلمين الطارئة و هكذا 

الطفرة الجينية للسلحفاة: تحدث الطفرات الجينية في قطاع معين من خلال تغيير سياسات قديمة بحاجة إلى نخل مثل سياسات تأنيث التعليم الابتدائي الذي بدأت دراستها الآن، و سياسات رخص المعلمين و الاستثمار الأجنبي في التعليم.

هل حققت لنا استراتيجية الضفدع أي تقدم في قطاع التعليم؟ أم أننا مازلنا ندور حول نفس القضايا وهذه  المرة برغبة عارمة في القفز و نحن أصلا لسنا ضفدعا. نأمل أن يرى قادة التعليم أوجه القصور التي تحدث من خلال تغيير الاستراتيجيات بشكل سريع.  أحيانا التحرك ببطء وثبات هو الخيار الأسرع

د. منيرة جمجوم

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Gallery

Video Gallery

Twitter